|
حرائـق
الغابـات
الذين شهدوا حفلة شواء الأشجار في غابة تحترق كانوا واحدا من ثلاثة:
إما أنهم فتحوا أعينهم على اتساع أحداقها حتى التمعت ألسنة السعير
فيها وكانوا شهودا على حرق أمة من الأشجار واقفة تسبح الله أناء
الليل وأطراف النهار كلما سجد عرق أخضر أو ركع غصن أثقل ظهره الجني
أو قامت وردة من برعمها حتى غشاها الدخان وحال بينهم وبين الشهادة.
أو أنهم أغمضوا أعينهم جيدا على مشاهد ألسنة اللهب تتحدث في الأشجار
زرافات ووحدانا، فاستبطنوا الكارثة وتحول البصر إلى بصيرة. أو أنهم
كانوا من الصنف الثالث ذاك الذي رأى ولم ير، رأى النار تطهيرا للصخر
من دنس حياة الأشجار، ولم ير حيوانات تسأله كلما اشتد أوار اللهب:
" بأي ذنب قتلت"، سمع أنين الغابات فتحول قلبه إلى صخر
أو أشد قسوة، آثر الصمت، آثر أن يكون شاهد زور وشيطاناً أخرس. هؤلاء
تعجز معهم بلاغة وحكمة ورؤية الشعراء منذ: "ستبدي لك الأيام
ما كنت جاهل" لأشعر الشعراء (طرفة ابن العبد) وحتى (محمود درويش)
حين قال ذات مساء شمالي: " نتمنى غدا صالحا للإقامة".
|