إن اقتصاد جميع دول العالم، والمملكة العربية السعودية واحدة منها، يعتمد على آمرين اثنين لا ثالث لهما: الأول وهو الفعال على المدى القريب والبعيد، هو إنتاجية النظم البيئية الطبيعية المتزنة السليمة من الموارد الطبيعية المتجددة، وقدرتها على أداء وظائفها الايكولوجية الخدمة الداعمة للحياة. والثاني وهو الفعال على المدى القصير: هو إنتاجية الانشطة الاقتصادية البشرية من زراعة وصناعة وتجارة وسياحة وعمران وغيرها وهي مصدر الدخل الوطني المباشر.

ويظن معظم الناس، بما فيهم قطاع كبير من العلماء والمفكرين، أن اقتصاد الدول ودخلها الوطني يعتمد كلية على الأنشطة الاقتصادية البشرية، وذلك يقاس تقدم الدول بمدى نموها الاقتصادي، وهو اعتقاد غي مصيب إذ يغفل هؤلاء عن حقيقتين هامتين أولهما ان توافر النظم البيئية الطبيعية المتزنة القادرة على الإنتاج وأداء الوظائف الايكولوجية اللازمة للحياة هو ضرورة حتمية لإمكانية استمرار الأنشطة الاقتصادية البشرية وثانيتهما ان هذه النظم البيئية المنتجة هي المصدر الوحيد للموارد الطبيعية المتجددة، وهي المواد الخام، التي تعتمد عليها المشروعات الاقتصادية الزراعية والصناعية والسياحية والطبية وغيرها.

ونعني بالوظائف الايكولوجية اللازمة للحياة الخدمات المجانية التي تقوم بها النظم البيئية الطبيعية من امتصاص غاز ثاني أكسيد الكربون، وإنتاج غاز الأكسيجين اللازم لتنفس الإنسان وغيره من الأحياء الاخرى، وتنظيم حركة الرياح والأمطار، ودورة المياه العذبة ودرجات الحرارة واتزان الغلاف الجوي واستقرار الأحوال المناخية، ومنع حدوث الظواهر الطبيعية المدمرة مثل الاعاصير والدوامات الهوائية، وحدوث جفاف قاتل في بعض مناطق العالم، وفيضانات مدمرة في مناطق آخرى، وتفاقم ظاهرة النينيو وما يترتب علهيا من فقدان البحار والمحيطات لإنتاجيتها الاحيائية، وهي أعظم النظم البيئية الطبيعية إنتاجية على الإطلاق.

وللأسف فإن جميع هذه الخدمات الأساسية الضرورية لبقاء حياة الإنسان تعتبر مجانية ولا تقوم بوحدات نقدية او أثمان حتى يمكن حسابها ضمن الدخل الوطني شأنها في ذلك شأن الأنشطة الاقتصادية الأخرى الإنتاجية منها والخدمية على السواء. ولعل السبب في ذلك هو عدم القدرة على تثميتها وتقديرها بوحدات سعرية الى جانب ان الانسان تعود على الحصول عليها تلقائياً دون حاجة لبذل أي جهود او اموال من جانبه لكي تستمر في أداء خدماتها التي لا يمكنه الاستغناء عنها مهما تقدم به العلم وتطورت وسائل التقنية في الحاضر أو المستقبل.

نعم لم يكن الانسان محتاجا لأن يبذل جهدا او مالا من اجل ان يحصل على هذه الخدمات الإكولوجية للنظم البيئية في الماضي عندما كانت البيئة متزنة سليمة، اما الان، وبعد التطور التقني المذهل، والضغوط البشرية التي أدت الى تدمير البيئة وإزالة الغابات وتليث الجو والبحار والمحيطات وخلخلة التوازن في الغلاف الجوي، الى ىخر ما حدث من ظواهر نتيجة التدهور البيئي العام، تغير الموقف وأصبح على الإنسان ان يبذل جهدا ويدفع مالا ليس بالقليل من اجل ان يستعيد بعضا من الإتزان البيئي ويوقف التدهور، ويحافظ على سلامة النظم البيئية الطبيعية، وعلى أدائها للخدمات الإكولوجية الأساسية لبقاء الحياة.

هذا هو الأساس الذي تقوم عليه فكرة المحافظة على الحياة الفطرية والموارد الطبيعية المتججدة، التي يظنها البعض للأسف ترفا لا ضرورة، وهي في الواقع امر حتمي لا يمكن إغفاله او إهماله او التراجع عنه مهما كلف من جهد ومال، لأنه امر يتعلق بإمكانية استمرار حياة الانسان على كوكب الأرض. فإما ان يكون وليس هناك مجال لحلول وسط.

إن إقامة المناطق المحمية هي إجراءات وقائية للمحافظة على النظم البيئية الطبيعية الداعمة لحياة سليمة منتجة، والوقاية دائما افضل من العلاج واقل تكلفة. والمحافظة بوجه عام هي مسئولية الحكومات في جميع الدول العالم، لأنها ضرورية لتوفير أسس الحياة، وهي أهم من توفير التعليم والرعاية الصحية والسكن وكل ما هو ضروري لتحسين مستوى الحياة، لأن توفير ضروريات الحياة من الغذاء والهواء والموارد الطبيعية يأتي في المقام الأول قبل توفير ما هو ضروري لرفع مستوى المعيشة أي لتحسين نوعية الحياة.

والى جانب الحكومات فإن جميع افراد الشعب مطالبين بأن يتحملوا نصيبهم من المسئولية ويقوموا بواجباتهم تجاه الجهود الحكومية في المحافظة، وذلك بالمشاركة في تحمل نفقات المحافظة فهي أولا وأخيرا من أجلهم ومن أجل أولادهم وأحفادهم.

أ.د. عبد العزيز حامد ابو زنادة

أن إيجاد بيئة نظيفة ومستقبل أفضل بالنسبة لكافة شعوب الأرض، ويجب أن تتم المحافظة عليها من كافة أشكال التلوث والتدهور من منطلق أن حماية البيئة تربية ومسؤلية على أعتبار أن الأنسان أياً كان موقعه هو المستفيد من مواردها المختلفة، وهو المتضرر في نفس الوقت من إفراطه في استخدام مواردها..

فهد بن عبد العزيز آل سعود
مساعد وزير الدفاع والطيران والمفتش العام لشؤون الطيران المدني
رئيس المكتب التنفيذي لمجلس الوزراء العرب المسؤلين عن شؤون البيئة