مع التزايد الكبير في عدد سكان العالم اصبح من المحتم على الانسان ان يقرر بشكل حاسم كيف سيكون تعامله مع البيئة خلال القرن القادم. فمما لا شك فيه ان الاعداد الكبيرة التي تضاف كل عام الى المجتمع الإنساني تحتاج الى استيفاء متطلباتها الحياتية اليومية مع المحافظة على مستوى المعيشة الذي يعيشه الانسان حاليا على الاقل حيث ان الرغبة في تحسين مستوى المعيشة تظل دافعا قويا لزيادة النمو الاقتصادي خصوصا في الزمن المعاصر الذي تحولت فيه كثير من الكماليات الى ضروريات للحياة. وأول متطلبات الحياة للأعداد المتزايدة من البشر هي الأسكان ويعني ذلك بالضرورة زيادة الرقعة العمرانية وإضافة طرق جديدة ثم هناك الاحتياجات الغذائية مما يستلزم التوسع في الزراعة واستهلاك الموارد الطبيعية .. والنتيجة الحتمية لذلك هي ما نشاهده اليوم من توسع سرطاني غير محسوب في التنمية الحضرية والعمرانية والتنمية الزراعية والتنمية الاقتصادية لتحقيق أعلى نمو اقتصادي ممكن وقد أدى هذا التوسع الإنمائي بصوره المختلفة الى تقلص مساحات الاراضي الطبيعية العذرية التي ما زالت على طبيعتها البكر حيث استباح الإنسان حرمتها وانتهك عذريتها بتعمد وإصرار

وقد أدى فقدان المواطن الطبيعية الى قلة الأحياء الفطرية وتدهور النظم البيئية المنتجة الداعمة للحياة وهي الملجأ الأخير للإنسان - بعد الله - للإبقاء على الحياة بصورها المختلفة على كوكب الأرض

لقد كثر الحديث عن ضرورة التحول من سياسة النمو الاقتصادي المفتوح الى سياسة التنمية الاقتصادية المستدامة بيئيا ومع ذلك فما زالت الخطى التي تتجه نحو التنفيذ تمشى وئيدة وكأنها تراوح مكانها وما زال مسلسل تدهور البيئة وتهديد الحياة على كوكب الأرض مستمراً. إن القرار السياسي الشجاع الذي يتحتم ان يتخذه العالم هو وضع حدود قصوى للتوسع الاقتصادي بأشكاله العمراني والزراعي والصناعي وغيرها في الاتجاه الافقي وذلك حتى يحافظ على نسبة معينة من مساحة سطح اليابسة لتبقى كما خلقها الله حتى يمكنها ان تؤدي دورها في المحافظة على الاتزان البيئي لكوكب الارض واستمرار الحياة عليها. وان يكون التوسع الضروري لمقابلة زيادة احتياجات الإنسان من الإسكان والموارد هو في الاتجاه الرأسي معتمداً في ذلك على تقدم العلم والتكنولوجيا

ونحن في المملكة العربية السعودية، مثلما في ذلك مثل بقية الدول المجاورة، احوج ما نكون الى اتخاذ مثل هذا القرار بسرعة في ضوء هشاشة نظمنا البيئية وضعف انتاجيتها وتطرف العوامل المناخية وشدة الجفاف. وسوف يحتاج ذلك منا الى ان نضع بشكل قاطع حدودا قصوى للمدن لا تتعداها وكذلك عدم السماح للمدن الصغيرة بأن تتوسع افقيا على حساب النظم البيئية والمواطن الطبيعية. وأن نضع معايير نلتزم بها في التخطيط العمراني لمدننا وقرانا تكفل المحافظة على نسبة ثابتة بين المساحة الحضرية وما يحيط بها من اراضي طبيعية بكر تكون لها المتنفس والملاذ وتخلصها من نفاياتها وفضلاتها وتمدها بالخدمات البيئية التي لا غنى للحياة عنها

لقد ان الاوان ان نقف مع انفسنا لنراجع انشطتنا الاقتصادية والزراعية والصناعية والعمرانية في ضوء مواردنا الطبيعية المحدودة خصوصا موارد المياه والتربة والحياة الفطرية ونضع لها الحدود التي تنظم توسعها بما لا يطغي على البيئة الطبيعية ويهدم النظم البيئية ويسبب انقراض الأحياء الفطرية

وإيمانا بالقيادة الواعية المخلصة التي قيضها الله لتسيير امور هذا البلد الأمين فإنني على ثقة من أننا قادرون بإذن الله ليس فقط علي اتخاذ القرار السليم وإنما على تنفيذه والتقيد به لما فيه الصالح العام لهذه الأمة التي جعلها الله خير أمة اخرجت للناس

أ.د. عبد العزيز حامد ابو زنادة

لا بد لنا ان ندير مواردنا الطبيعية والبيئية بالطريقة السليمة وان نواجه نشاط التنمية في بلادنا ليكون بشكل سليم يتفق مع الشريعة الاسلامية ويحقق رخاء المواطنين ولا يتعارض مع المصلحة العليا للمملكة

ان الموارد الفطرية والبيئية هي من نعم الله علينا التي تستوجب الشكر وشكره سبحانه وتعالى يكون بالمحافظة عليها وانمائها وبالشكر تدوم النعم

صاحب السمو الملكي الأمير
عبد الله بن عبد العزيز آل سعود
نائب خادم الحرمين الشريفين